
يبدو أن السياسة في تيرس زمور بدأت تعرف، هي الأخرى، زمنا جديدا له قواعده الخاصة كمنزل يشيد، ووليمة تقام، ومدون يستدعى، وصورة سيلفي كفيلة، في نظر أصحابها، باختصار الطريق إلى القمة.
ومن بين هؤلاء يبرز سياسي شاب طموح، يريد أن يصل إلى أعلى درجات المشهد السياسي، وهو لا يزال يحبو في فن السياسة.
بدأ أولى إرهاصاته في ازويرات بالتزامن مع تشييد منزل جديد قبل نحو سنتين، فكان هذا العنوان العقاري مقدمة لعنوان سياسي أكبر.
لكن الولائم لم تفعل المأمل منها، فالمائدة الممتلئة لا تصنع بالضرورة زعيما، والبيت الجديد لا يمنح صاحبه تلقائيا مكانا في الصفوف الأولى. وبعد أن طال انتظار بعثات الحزب إلى الداخل، بدا أن الرجل قرر اختصار المسافة، فاتجه إلى لقاء عاجل مع رئيس الحزب محمد ولد بلال في مقر الحزب بانواكشوط.
هناك، اتخذت القصة منحى آخر.
فقد أراد الرجل أن يقدم نفسه باعتباره صاحب كتلة سياسية تجاوزت حدود ازويرات، وأن نشاطها يمتد إلى انواذيبو وأطار، حيث مقر إقامته الأصلي، وإلى ازويرات وحتى إينشيري. وبذلك تصبح المقارنة بينه وبين سياسيين حصروا نشاطهم في مدينة واحدة، في حساباته، ضربا من المقارنة غير المتكافئة، فسياسي يمثل ثلاث ولايات أو أربع في اللعبة الديمقراطية، كما يريد أن يقول، لا يمكن وضعه في الميزان نفسه مع من بقي نشاطه محصورا في مدينة واحدة.
غير أن المفارقة أن الكتلة التي بدت واسعة على طاولة الحديث لم تظهر بالقوة نفسها وهي تتابع بعثات الحزب في الولايات التي قيل إنها جزء من مجالها السياسي. وهنا تتقدم الصورة على الواقع مرة أخرى.
ولأن الواقع الشعبي قد يكون أبطأ من سرعة الطموح، كان لا بد من الاستعانة بمن يملك القدرة على تسريع الصورة؛ إنهم المدونون.
اتصالات هاتفية، رسائل، أخبار عن الوصول، وأحاديث عن التعبئة والجهود المبذولة لإنجاح زيارة بعثة الحزب. فجأة صار حضور الرجل في ازويرات أكثر صخبا على صفحات التواصل الاجتماعي من حضوره في الشارع نفسه.
ثم جاءت لحظة الوصول.
صور سيلفي، ابتسامات عريضة، وحرص شديد على توثيق اللحظة. كانت الصورة تقول، ببلاغة لا تحتاج إلى تعليق، أنا هنا في ازويرات، وأنا جزء من المشهد، وأنا أعمل من أجل إنجاح زيارة بعثة الحزب.
وبالنسبة إلى سياسي يبحث عن موطئ قدم في انتخابات مقبلة، قد تكون ساعات قليلة من الحضور المصور كافية لصناعة انطباع يريد أن يصل إلى انواكشوط قبل أن تنتهي التظاهرة.
لكن ازويرات لها ذاكرتها.
فهنا سياسيون قضوا سنوات طويلة في العمل الحزبي، وعرفوا المدينة في أفراحها وأزماتها، وخاضوا معارك انتخابية وسياسية متتالية، وبنوا علاقاتهم شيئا فشيئا. لم يصلوا إلى الصفوف الأولى بصورة سيلفي، ولا بمنشور مدون، ولا بزيارة خاطفة تتزامن مع قدوم بعثة حزبية.
واللافت أن السياسي الشاب لم يكن وحده في اكتشاف هذه الوصفة.
منتخبون آخرون وجدوا بدورهم في بعض المدونين وسيلة مناسبة لإبراز حضورهم، وإظهار ما يبذلونه من جهد لإنجاح زيارة بعثة الحزب. بعض هؤلاء لم تطأ أقدامهم أرض الولاية منذ انتخابهم إلا في مناسبات محدودة، غالبا حين يصل مسؤول حكومي، فتلتقط الصور وتسجل المشاركة، ثم يعود كل شيء إلى سابق عهده.
أما سكان ازويرات، الذين تلتقط صورهم كثيرا ولا تحل مشاكلهم بالقدر نفسه، فيراقبون هذا الحراك القديم الجديد بشيء من الريبة.
فهم يعرفون أن موسم السياسة يبدأ عادة بالسيارات الفارهة، والمواكب، والهواتف المرفوعة، والمنشورات المتلاحقة. ويعرفون أيضا أنه ينتهي بسرعة.
وبمجرد انتهاء الاجتماع السياسي والتظاهرة، تبدأ معركة أخرى تحت عنوان، من صاحب الفضل في النجاح؟
سيظهر السياسيون الجدد والقدامى، وكل طرف سيقدم حصته من التعبئة والجهد، بينما سيحاول القادة المحليون "الكبار" لحزب الإنصاف الاحتفاظ بموقعهم في المشهد.
هؤلاء أيضا يحملون قصة خاصة.
فبعضهم يبدو كأنه بقايا حطب لمعركة سياسية قديمة دارت في ازويرات قبل سنوات، وما زال رمادها يعرقل إعادة تأهيلهم سياسيا. تبدلت المناصب، وتغيرت المواقع، لكن الخطاب ظل عاجزا عن مواكبة المرحلة. فلا أحد يكاد يقدم خطابا سياسيا مقنعا، ولا أحد ينجح في إيصال رسائل الحزب بصورة تجعل الناس يشعرون أن هناك مشروعا سياسيا حقيقيا في انتظارهم.
وفي المقابل، تنشط تقنيات أخرى كالوشاية ونقل الكلام إلى أصحاب الولاء، ومحاولة إضعاف هذا لصالح ذاك. وحين يشعر أحدهم أن موقعه مهدد، يستعمل ما يعرفه من تقنيات "الاتصال" للدفاع عن نفسه، بينما يرد الآخر بالتقنيات نفسها، فيتحول المشهد أحيانا إلى معركة مواقع أكثر منه تنافسا على خدمة السكان.
وفي وسط كل ذلك، يقف المواطن الزويراتي متفرجا.
يتابع السيارات القادمة، والمواكب، والصور، والمنشورات، والوجوه التي تظهر فجأة بكثافة على صفحات التواصل الاجتماعي.
ثم تنتهي التظاهرة، وتغادر السيارات الفارهة، وتختفي المواكب، ويهدأ المدونون، وتعود المدينة إلى إيقاعها المعتاد.
عندها يبدأ سكان ازويرات، من جديد، رحلة البحث عن منتخبيهم وسياسييهم.
وقد يطول البحث هذه المرة، إلى أن يقترب موسم سياسي جديد، فتعود الهواتف إلى الرنين، وتعود السيارات إلى الظهور، وتعود الصور إلى الانتشار، ويكتشف الجميع أن السياسة في ازويرات ما زالت قادرة على إعادة إنتاج المشهد نفسه، مع وجوه جديدة، ووعود جديدة، وسيلفيات أكثر.
أما القمة التي يطمح إليها السياسي الشاب، فتظل هناك، بعيدة قليلا.
فالطريق إليها أطول من طريق المنزل الجديد، وأصعب من تنظيم وليمة، وأعمق من منشور يكتبه مدون.
فالقمة السياسية لا تختصر في صورة سيلفي ولا تفتح أبوابها بمنشور مدون، فطريقها الحقيقي هو الحضور المستمر عندما تنفض المواكب وتغيب الكاميرات.
.gif)
(2).gif)


.gif)
