
أثار إعلان حزب الإنصاف عزمه تجديد قياداته على مستوى الولايات ارتياحا لدى كثير من المهتمين بالشأن السياسي، لأن المرحلة المقبلة تفرض مراجعة جادة لآليات العمل الحزبي، واختيار شخصيات تمتلك الحضور والكفاءة والخبرة، لا الاكتفاء بالأسماء أو العلاقات أو الانطباعات العابرة.
وفي ولاية تيرس زمور، تبدو الحاجة إلى هذا التجديد أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالولاية تزخر بالكفاءات العلمية، وتضم نخبة من المثقفين والمهندسين والأطر وأصحاب التجارب الإدارية والسياسية، وهو ما يجعل سقف التطلعات مرتفعا تجاه من سيقود الحزب فيها خلال المرحلة المقبلة.
غير أن المشهد أثار كثيرا من علامات الاستفهام بعد بروز شخص يقدم نفسه في المجالس واللقاءات على أنه المرشح الرسمي الوحيد لمنصب الأمين الاتحادي، ويؤكد أن أمر اختياره قد حسم، وأن مختلف قيادات الحزب والمنتخبين المحليين قد منحوه مباركتهم، حتى قبل صدور أي إعلان رسمي. ومثل هذا الخطاب لا يعكس الثقة بالنفس بقدر ما يعكس استعجالا لقطف ثمار لم يحن أوانها، كما أنه يضع الحزب في موقف لا ينسجم مع مؤسساته وآليات اتخاذ القرار داخله.
إن قيادة حزب بحجم حزب الإنصاف لا يمكن أن تكون لقبا ُتداول في الأحاديث، ولا موقعا يُنال بكثرة الترويج للنفس، وإنما مسؤولية سياسية تتطلب رصيدا من التجربة، وعمقا في الفهم، وقدرة على إدارة الاختلاف، وإتقانا لفن الخطاب، وحضورا يبعث الثقة في المناضلين والرأي العام.
فالأمين الاتحادي هو الواجهة السياسية للحزب في ولايته، والناطق غير الرسمي باسمه، وصاحب الدور الأول في الدفاع عن خياراته وبرامجه، وتفسير سياساته، والرد على خصومه، واحتواء الخلافات الداخلية، وبناء جسور التواصل مع مختلف الفاعلين.
ولهذا، فإن أول ما ينبغي أن يتوفر فيمن يتطلع إلى هذا المنصب هو الحكمة، لأن السياسة قبل أن تكون قدرة على الكلام هي قدرة على الصمت في الوقت المناسب. والسياسي المحنك يعرف أن بعض الاجتماعات تعقد لتبقى داخل قاعاتها، وأن الثقة التي تمنحها القيادات لا تقابل بنشر تفاصيل اللقاءات أو تحويلها إلى مادة للحديث في المجالس.
أما أن تصبح أسرار اللقاءات الخاصة متداولة على الألسنة بعد ساعات من انتهائها، فإن ذلك يبعث برسالة سلبية عن صاحبها، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرته على حفظ الأمانة السياسية وصون الثقة التي تبنى عليها العلاقات داخل الأحزاب.
والسياسة لا تقوم على كثرة الحديث، وإنما على حسن تقدير ما يقال، ومتى يقال، ولمن يقال. فكم من كلمة أغلقت بابا كان مفتوحا، وكم من إفشاء لتفاصيل خاصة أنهى مسارا سياسيا كان واعدا.
ومن المؤسف أيضا أن يصبح الخطاب السياسي فقيرا إلى درجة يعتمد فيها صاحبه على نصوص جاهزة أو خطابات يصوغها الذكاء الاصطناعي، ثم يعجز عن الدفاع عنها إذا طرح عليه سؤال خارج النص. فالمواقف السياسية لا تستعار، والقيادة لا تكتسب بنصوص منمقة، وإنما بحصيلة من التجربة والثقافة والاحتكاك اليومي بالناس والقدرة على الإقناع بالحجة والمنطق وسرعة البديهة.
إن تيرس زمور لا تعاني من ندرة الرجال، ولا من غياب الكفاءات، وإنما تحتاج إلى حسن الاختيار. ففيها من الشخصيات من راكم تجارب سياسية وإدارية طويلة، ومن يملك القبول الاجتماعي، ومن يستطيع أن يجمع دون أن يفرق، وأن يوحد الصفوف بدل أن يصنع الاستقطاب.
ومن هنا، فإن على قيادة الحزب أن تتعامل مع هذا الاستحقاق بمنتهى الجدية، وأن تجعل الكفاءة والنزاهة والحنكة السياسية والقدرة على التواصل وحفظ الأسرار معايير حاكمة في عملية الاختيار، بعيدا عن المجاملات أو الضغوط أو حملات الترويج الشخصي.
فالقيادة الحزبية لا يمكن اعتبارها مكافأة، وإنما تكليف ثقيل. وهي امتحان يومي في الانضباط والاتزان والقدرة على تمثيل الحزب بصورة تليق به.
إن نجاح حزب الإنصاف في تيرس زمور لن يتحقق بمن يكثر من إعلان قرب تعيينه، وإنما بمن يستطيع، بعد تعيينه، أن يكسب احترام المناضلين وثقة الرأي العام، وأن يكون حاضرا بالحجة عندما يحتدم النقاش، وحاضرا بالحكمة عندما تتعقد المواقف، وحاضرا بالصمت عندما يكون الصمت هو الموقف السياسي الأذكى.
ولذلك، فإن التجديد الذي ينتظره مناضلو الحزب لن يحقق أهدافه إلا إذا أفرز قيادة تمتلك من الحكمة أكثر مما تمتلك من الطموح، ومن الرصانة أكثر مما تمتلك من الهذيان، ومن الخبرة ما يجعلها إضافة حقيقية للحزب، لا عبئا جديدا عليه.
سيد أحمد ولد بوبكر سيره
.gif)
(2).gif)


.gif)
