
في كل عام، ومع انقضاء اجتماع مجلس إدارة الشركة الوطنية للصناعة والمناجم "سنيم"، يتجدد موعد يكاد يكون ثابتا في روزنامة مدينة ازويرات، موعد تفتح فيه قاعة الاجتماعات بالمكاتب العامة للشركة بازويرات على نقاشات حادة، تختلط فيها لغة الأرقام بنبض الشارع العمالي.
هناك، يجلس ممثلو الإدارة العامة، يتقدمهم مدير مقر الاستقلال المهندس محمد ماء العينين ولد هنداي، ليعرضوا حصيلة عام كامل؛ إنتاجٌ، ومبيعاتٌ، وأرباح، ثم تأتي اللحظة الأكثر ترقبا المتمثلة في إعلان التحفيزات التي أقرها مجلس الإدارة، مرفقة بمحاولات ربطها بمستوى الأداء خلال السنة المنصرمة.
غير أن هذا العرض، في العادة، لا يمر مرورا عابرا، إذ سرعان ما يتحول النقاش إلى سجال محتدم، يتصدره مناديب العمال، كل بأسلوبه وخلفيته النقابية، مدفوعين بثقل تطلعات من يمثلونهم. وبين مد وجزر، يتدخل المدير بأساليب متعددة لاحتواء التوتر، فيخاطب بعض المناديب بنبرة ودودة، ويمازح آخرين في لحظات محسوبة، سعيا إلى تخفيف حدة النقاش وإعادة التوازن إلى أجواء الاجتماع.
وبانتهاء الاجتماع، لا تنتهي القصة؛ بل تبدأ جولة أخرى، أكثر حساسية، حين يواجه المناديب العمال، في مهمة لا تقل تعقيدا وهي إقناعهم بما تحقق، والدفاع عن مكاسب تقاس دوما على ميزان الطموح المرتفع. وهكذا، تتكرر الحكاية كل عام، بين قاعة الاجتماع ومقر مناديب العمال.
غير أن مشهد هذا العام جاء مختلفا في تفاصيله وإيقاعه.
فبمجرد توجيه الدعوة لاجتماع الثالثة والنصف مساء، بادر المناديب إلى عقد لقاء تمهيدي قبلها بأكثر من ساعة، لتوحيد الرؤى وترتيب المواقف. وفي ظل قراءة متأنية لتداعيات الظرف الاقتصادي العالمي، خلصوا إلى موقف واضح، بعدم القبول بأي زيادة عامة تقل عن 10%.
دخل الجميع الاجتماع على هذا الأساس، وكل المؤشرات توحي بجولة جديدة من الشد والجذب. لكن لحظة عرض الأرقام حملت ما لم يكن في الحسبان؛ إذ جاءت التحفيزات عند سقف تطلعات المناديب، بل وتجاوزته لفئات من العمال.
هذا التحول كان انعكاسا لمقاربة سبقت الاجتماع، فقد حملت الإدارة العامة إلى مجلس الإدارة مقترحات صيغت على ضوء معرفة دقيقة بواقع العمال وتطلعاتهم، وهي معرفة راكمتها من خلال تجربة ميدانية داخل مختلف مواقع الشركة. كما أن تفاعل مجلس الإدارة مع هذه المقترحات، برئاسة شخصية خبرت بدورها العمل داخل الشركة من زواياه التقنية والمهنية، أسهم في بلورة قرار بدا أقرب إلى نبض العمال منه إلى مجرد حساباتٍ رقمية.
وعلى خلاف ما جرت به العادة، مر عرض النتائج هذه المرة دون سجال، لم ترتفع نبرة الاعتراض، ولم تستدع أدوات الإقناع، ليخرج الطرفان من القاعة على إيقاع هادئ غير مألوف في مثل هذه الاجتماعات.
وخارج القاعة، كان مشهد آخر يتشكل بالتوازي، إذ تحولت الهواتف إلى جسور مفتوحة، ينقل عبرها المناديب مجريات الاجتماع لحظة بلحظة إلى العمال عبر وسائط التواصل الاجتماعي، في تفاعل مباشر مع تساؤلاتهم وانتظاراتهم. وفي الأثناء، كانت الأسر تتابع هذه التفاصيل باهتمام خاص، إذ يمثل هذا الموعد بالنسبة لها محطة سنوية ترتبط بواقعها المعيشي وتوازناتها اليومية.
.gif)
(2).gif)


.gif)
