
أعادت قضية توقيف المسؤول في بلدية ازويرات أمم ولد بزومه، المعروف على وسائط التواصل الاجتماعي بـ"أمم المفكر"، فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل والاستغراب في المدينة، والمتعلق بفوضى القطع الأرضية والتوسع العمراني المتسارع، وسط تضارب في الصلاحيات بين المقاطعة والبلدية بشأن الجهة المخولة بمنح تراخيص البناء.
وكانت مفوضية الشرطة بمدينة ازويرات قد أوقفت ولد بزومه أمس الإثنين، على خلفية شكوى تقدمت بها مقاطعة ازويرات بعد خلاف مع البلدية حول مدى أحقية هذه الأخيرة في منح تراخيص البناء.
وبحسب مصدر مقرب من الموظف الموقوف، فإن بلدية ازويرات كلفته بإجراء جولات ميدانية على القطع الأرضية التي تشهد عمليات بناء، والتأكد من توفر أصحابها على إذن بالعمل صادر عن البلدية، وفي حال عدم توفره يتم توقيف الأشغال إلى حين الحصول عليه.
وأوضح المصدر أن ولد بزومه أوقف، خلال جولة قام بها الأربعاء الماضي، أعمال البناء في أكثر من ثلاثين قطعة أرضية بسبب غياب تراخيص البناء، قبل أن يتفاجأ يوم الجمعة الماضي بظهور عمليات بناء متسارعة بمحاذاة حي الترحيل، حيث اكتشف خلال تحرياته أن أكثر من عشرين قطعة أرضية أخرى لا يتوفر أصحابها كذلك على تراخيص صادرة عن البلدية، ليقوم بتوقيف الأشغال فيها بدورها.
ويضيف المصدر أن حاكم مقاطعة ازويرات تقدم بشكوى ضد الموظف لدى وكيل الجمهورية، انتهت بتوقيفه، في تطور يكشف حجم الخلاف القائم بين المقاطعة والبلدية بشأن الجهة المخولة بمنح تراخيص البناء.
فالمقاطعة تعتبر نفسها الجهة الوحيدة التي تملك صلاحية منح هذه التراخيص، وترفض التنازل عنها لأي طرف آخر، بينما تستند بلدية ازويرات إلى المادة السادسة من المرسوم رقم 015 الصادر سنة 2024، والمتعلق بالمهام العامة للشرطة البلدية، والتي تنص صراحة على أن سلطات العمدة في مجال الشرطة البلدية تشمل العمران، ومن بينها تراخيص البناء والهدم، بالتنسيق مع القطاع الوزاري المعني.
ويثير هذا الخلاف الكثير من علامات الاستغراب، إذ من غير المفهوم أن تمنح قطع أرضية بشكل اعتيادي، ثم يجد أصحابها أنفسهم أمام جهازين رسميين يتنازعان حول الجهة المخولة بإصدار إذن البناء. كما أن البلدية تفرض رسوما على البناء تصل إلى 500 أوقية للمتر المربع، وهو ما يجعل من المنطقي أن تكون طرفا أساسيا، أو على الأقل شريكا، في منح التراخيص المرتبطة بهذا النشاط.
غير أن توقيف الموظف البلدي لم يسلط الضوء فقط على نزاع إداري بين مؤسستين، بل أعاد كذلك إلى الواجهة ملفا أكثر تعقيدا يتعلق بالقطع الأرضية التي أخذت تتمدد أفقيا بشكل مذهل في ازويرات خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ سحب صلاحيات منح القطع الأرضية من الولاة والحكام سنة 2010 بموجب المرسوم رقم 080، الذي حصر هذه الصلاحية في وزير المالية ومجلس الوزراء، بدأت المدينة تشهد ظهور أعداد متزايدة من القطع الأرضية المثيرة للجدل، في ظل تنامي نشاط سماسرة يبيعون قطعا بوثائق مزورة، بعضها يحمل توقيعات ولاة سابقين لم تكن المناطق المعنية أصلا جزءا من المجال الحضري للمدينة خلال فترة توليهم لمهامهم.
وفي حالات أخرى، يلجأ بعض السماسرة إلى استخراج تنازلات مزورة بأسمائهم على قطع أرضية، ثم تحويلها لاحقا إلى ملكيات حقيقية لأشخاص آخرين اعتمادا على تلك التنازلات.
وخلال السنوات الأخيرة ظهرت قطع أرضية جديدة في عدة مناطق من المدينة، بعضها قرب حي 600 وحدة سكنية، وأخرى بمحاذاة منطقة الترحيل التي يفترض أنها خضعت لتخطيط سابق من طرف شركة إسكان، ولم تعرف توزيعا جديدا للقطع بعد ذلك.
وقد أثار انتباه الرأي العام في ازويرات أن أغلب هذه القطع بدأ البناء فيها بشكل متزامن، وفي ظرف زمني قصير، ما عزز الشكوك بشأن خلفيات منحها والجهات المستفيدة منها، خصوصا أن غالبية هذه القطع يستحوذ عليها رجال أعمال وشخصيات نافذة، في وقت تعرضت فيه أسر فقيرة للطرد من بعض جيوب حي الترحيل، وتم تكسير مساكنها الهشة بحجة أنها أقيمت بعد تخطيط المنطقة.
ولا يقف أثر هذا التمدد العمراني عند حدود الجدل القانوني أو الاجتماعي، بل يشكل ضغطا متزايدا على مقدرات الدولة وشركة سنيم، إذ يفرض كل توسع جديد ضرورة توسيع شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وهو ما يجعل كل استثمار جديد في البنية التحتية مهددا بأن يصبح غير كاف بعد فترة قصيرة بفعل الامتدادات العمرانية المتلاحقة.
ويظل سكان ازويرات، في ظل صراع الصلاحيات وغموض مصدر الكثير من القطع الأرضية وتسارع البناء في مناطق جديدة، يتابعون هذه التطورات بكثير من الاستغراب في ظل تساؤلات مطروحة حول من يمنح هذه القطع؟ ومن يرخص للبناء فيها؟ ومن يحاسب إذا كان النزاع نفسه قائما بين مؤسسات الدولة؟
.gif)
(2).gif)


.gif)
