مآدب المسؤولين في ازويرات.. بين بهرجة الصورة وصدق الموقف

خميس, 2026/01/29 - 5:58م

يبدو أن بعض المآدب في مدينة ازويرات تقاس بعدد العدسات المصوبة إليها، وبحجم الابتسامات الملتقطة، وكأنها جزء من بروتوكول الضيافة.
أمس، شهدت المدينة مأدبتين متشابهتين في الشكل، مختلفتين في الجوهر. مأدبتان على شرف بعثة سياسية واحدة من حزب الإنصاف، لكن بينهما مسافة أخلاقية كبيرة.
في الأولى، التي ننشر صورها، أقام الأمين العام لوزارة الإسكان والعمران والاستصلاح الترابي مأدبة غداء، حضرها الضيوف، وحضرت معها الكاميرات في موعدها الدقيق. ابتسامات مصطفة، وضعيات مدروسة، صور تلتقط من أكثر من زاوية، وكأن الغداء لم يكن ليكتمل إلا بعد أن يوثق، ويعلب، ويوزع على منصات التواصل باعتباره شهادة حسن سلوك سياسي، أو برهانا إضافيا على “المساهمة” في المسار الحزبي.
فبدل أن تكون المائدة هناك واجب ضيافة، فقد أضحت مناسبة لإشهار النية، وتوقيع الحضور بالصورة، وإثبات أن صاحبها كان “في الصف”، و“في الصورة”، و“في اللحظة المناسبة”.
أما المأدبة الثانية، فقد أقامها عمدة بلدية ازويرات، وهو شاب لم يتقن بعد لعبة الاستعراض، أو ربما قرر ألا يتقنها أصلا.
مأدبة عشاء مماثلة، حضرها الضيوف، وحضرها المدونون أيضا، لكن الكاميرات غابت بإرادة صاحب الدعوة. لا صور، لا توثيق، لا ابتسامات معلبة، ولا منشورات لاحقة.
وحين هم البعض بالتقاط بعض الصور رفض مؤكدا أن اللقاء للواجب، لا للأرشفة الرقمية. وما يقدم للضيف يقدم لوجه الضيافة، لا لوجه الجمهور.
هنا تتجلى المفارقة.
مسؤول كبير يرى في المأدبة حدثا إعلاميا مصغرا، لا يكتمل إلا بعد أن يمر عبر “فلتر” الكاميرا، ومسؤول شاب آخر يراها شأنا بسيطا من شؤون الأدب الاجتماعي، لا يحتاج إلى شاهد ولا إلى ختم إلكتروني.
الأول يحسن ترتيب وضعيات الجلوس أمام العدسات، والثاني يحسن ترتيب النيات.
الأول يستدعي الابتسامة، والثاني يتركها تأتي إن جاءت، وتمضي إن شاءت.
وليس القصد هنا تمجيد شخص ولا النيل من آخر، بقدر ما هو طرح سؤال قديم جديد .
متى تحولت الضيافة من واجب إلى مشهد؟ ومن خدمة إلى محتوى؟ ومن روتين إلى فرصة ظهور؟
ففي زمن صارت فيه الصورة أسبق من الموقف، والمنشور أهم من المعنى، بات بعض المسؤولين يتعاملون مع كل حركة بوصفها مادة أرشيفية، وكل مناسبة بوصفها فرصة ترويج.
بينما لا يزال في المشهد من يعتقد، وربما بسذاجة جميلة، أن بعض الأفعال لا تحتاج إلى توثيق، لأنها وجدت لتؤدى، دون أن تعرض.
لقد كانت المأدبتان في ازويرات درسا صغيرا في الفرق بين من يضيف ليكرم، ومن يضيف ليرى.