رحلة معاناة بدأت من أحشاء أُمٍ وتحولت إلى كفاح في أروقة الأمم المتحدة

أربعاء, 2020/03/11 - 7:55ص

وصلت المناضلة لمعدله بنت الكوري ولد محمد سالم الموريتانية الصحراوية الإسبانية إلى جنيف قبل 9 أيام، في رحلة كفاح داخل أروغة الأمم المتحدة، من أجل التعريف بمعاناة أسرتها، وعشرات أسر الشهداء، الذين قضوا في سجون جبهة البوليساريو، وضحايا آخرين، استشهد بعضهم، فيما لا يزال  البعض الآخر على قيد الحياة، ومن ضنهم  موريتانيون، حيث ينتظر أن تلقي بنت الكوري الْيوم  الأربعاء كلمة أمام الجمعة العامة لحقوق الإنسان، بوصفها أكبر هيئة دولية مختصة في هذا المجال، للتعريف بمحنتها، ومعاناة عشرات الأسر من ضحايا الحرب.

وفي اتصال لازويرات ميديا بالسيدة لمعدله بنت الكوري سردت الأخيرة كل تفاصيل قصة معاناة أسرتها.

 

بداية القصة

ولد المرحوم الكوري ولد محمد سالم، والد لمعدله، وترعرع، بين أفراد أسرته وذويه بضواحي مدينة المذرذره، وكغيره من الرجال في تلك الفترة، استهواه الإنخارط في الجيش الوطني سنة 1974، الذي كان قد بدأ للتو في اكتتاب عشرات الشباب من أجل تعزيز صفوفه

حول الكوري مباشرة إلى بير أم اكرين، في آقصى الشمال الموريتاني، كضابط صف، فودع والديه على أمل العودة خلال إجازته السنوية، وهكذا وبعد فترة قصيرة، تزوج من سيدة من المنطقة تدعى دٓدُّو بنت ازروك ولد عمار، وهي سيدة كان لها ولدان من قبله من رجل آخر فعاش معها حياة أسرية، حاول خلالها إسعادها بما أوتي من قوة، رغم أنه يمضي جل وقته منشغلا في خدمة وطنه، من داخل ثكنته العسكرية، إلى أن انطلقت حرب الصحراء، وتصاعد الضغط بقوة على بعض الأسر المحسوبة على الشمال الموريتاني، ومن بينها السيدة حرمه التي أسرت له أنها لم تعد قادرة على تحمل الأذى، الذي تتعرض له من طرف بعض الأسر في بير أم اكرين، على خلفية الحرب. شعر الرجل بنوع من المسؤولية عما  تتعرض له زوجته من إهانة، وأمام إلحاحها، لم يكن له بد من تلبية رغبتها، خاصة أنها دخلت شهرها الثاني من الحمل، كانت رغبة الزوجة هي مساعدتها في الإلتحاق بذويها في المخيمات الصحراوية، لم يتردد الزوج في تلبية طلبها، رغم حساسية موقعه، وظروف الحرب، فتعهد بعدم تعرضها لأي مضايقة بعد الْيوم.

 

رحلة اللاعودة

بدأ الكوري في تجهيز سيارة الجيش، التي كانت بحوزته، وهي من نوع لاندروفير مكشوفة الغطاء، نصب عليها مدفع ثقيل من نوع دوست، وجهزت ب 5 أسلحة رشاشة، وحمل معه خفية 4 معتقلين صحراويين، كانوا سجناء لدى الجيش الموريتاني، وزوجته وابنيها ووالدتها، وقريبة لها تدعى احويه بنت احمامد ونجلها، ثم انطلق في اتجاه المخيمات الصحراوية، في نهاية شهر فبراير من سنة 1977، فاستقبلتهم الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووأد الذهب البوليساريو استقبالا كبيرا، قبل أن ينقلوهم إلى مقر إقامة أسرة الزوجة، التي لم يمكث الكوري عندها أكثر من أربعة أيام، لتفاجئه سيارته وقد نصبت عليها كابينة وهي تحمل على متنها موفدين من قيادة الجبهة، طلبوا منه مرافقتهم في جولة داخل المؤسسات الصحراوية، فكان آخر ظهور له.

كان كل شيء واردا بالنسبة للزوجة الحامل، غير أن يكون مصير زوجها غياهب سجن الرشيد، وهو الذي انتصر لها، ولقضيتها، وخاطر بحياته من أجل حمايتها وذويها وإنقاذ السجناء الصحراويين.

ظلت الأسرة تنتظر الرجل دون جدوى، لم يكن بإمكانها مجرد السؤال عن مصيره، لأن الظرفية حساسة وغير مؤاتية، فالحرب مشتعلة، والرجال يقاتلون في الجبهات، ولم يبق في المخيمات غير النساء والأطفال. ولدت الطفلة لمعدله دون أن يتمكن والدها من احتضانها ولو للحظة، ومع ذلك ظل الأمل يساور الأسرة بعودته، رغم مرور الزمن، فبدأت البنت تكبر شيئا فشيئا مع الأيام، دون أن تتاح لها فرصة نداء بابا، كما يحدث مع غيرها من أطفال المخيم.

 

كيف ساهمت مظاهرات نساء المخيمات الشهيرة 1988 في كشف ملابسات ما تعرض له الرجل 

بعد توقيع ابروتكول الاتفاق بين موريتانيا والجمهورية الصحراوية في الجزائر على تبادل السجناء خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد خونه ولد هيداله، لم يستفد الكوري من هذا البروتوكول، لأنه لم يكن سجين حرب، وظل في غياهب السجن، وبعد مرور الزمن ساهمت وضعية السجون الصحراوية المكتظة بالنزلاء الذين يذوقون يوميا سوء العذاب ويفرضون على ممارسة الأعمال الشاقة دون تمييز  بين موريتاني أو صحراوي، ساهمت هذه الوضعية في خلق احتقان كبير في صفوف أهالي السجناء، انتهى بتنظيم نساء المخيمات الصحراوية مسيرتهم الإحتجاجية الشهيرة سنة 1988، التي دعت إلى إنهاء محنة السجناء، وهددت المشاركات فيها بمغادرة المخيمات في ما لم يتم إطلاق سراح أبنائهم. تلقفت الإدارة الصحراوية الرسالة و أفرجت عن جميع السجناء من غير المغاربة، فعمت الفرحة، واستقبلت الأسر أبناءها بحفاوة كبيرة، غير أن أسرة الكوري حرمت لذة تلك اللحظة، وكأن محنتها كتب لها الإستمرار. فرغم بحثها المتواصل لم تستطع العثور على أي أثر يحدد مصير الرجل، فيما عاش والداه سنين من القلق على مصيره، إلى أن وفاهما الأجل ما بين 2015 و 2016.

 

محنة الأسرة تتحول إلى كفاح 

أظهر إطلاق سراح السجناء في شهر يوليو من سنة 1988 استشهاد عدد كبير من السجناء الموريتانيين، غير أن الأسرة تمكنت  في نهاية المطاف، بعد جهد من الإتصال ببعض السجناء الموريتانيين، الذين أطلق سراحهم، و الذين عاشوا معه لفترة من الزمن في حفرة واحدة فكشفوا للأسرة أن آخر مرة يلتقون فيها بالرجل كانت في شهر ابريل من سنة 1988 أي 3 أشهر قبل إطلاق سراحهم، وكان مصاب في وقتها بسعال شديد،  فسقط مرة أرضا أثناء ممارستهم الأعمال الشاقة، دون أن يتمكنوا من معرفة هل قتله الجبهة بعد سقوطه، أم نقلته إلى موقع آخر في وادي الماء يسمى سي بى يعالجون فيه المرضى.

تقول لمعدله : "منذ ذلك الوقت لم استكن، وبدأت في رحلة طويلة لتقصي أخباره، شملت لقاءات مع جميع قادة الجبهة، بمن فيهم الرئيس السابق" مؤكدة أن المسؤولين لم يعطوها أي معلومات عن مصير والدها، واصفين ما حدث في سجن الرشيد بمجرد أخطاء وأن أصحابه شهداء. وتضيف ساخرة من قيادة الجبهة "كيف يغيبونهم كل هذه الفترة، ثم يوزعون عليهم الشهادة بالمجان" وتضيف لمعدله في توضيحها، أنه رغم كل ذلك لم تكن للسجناء ملفات، وأن ملف والدها لم تكن فيه من المعلومات الشخصية غير اسمه، الكوري ولد محمد سالم وأنه موريتاني انطلق إلى المخيمات في الشهر الثاني من سنة 1977، وتمضي في سرد قصتها بحرقة لازويرات ميديا : "لم يراعوا شعور والدتي ولم يكلفوا نفسهم مجرد الإعتذار لنا، رغم أنهم حرمونا من رؤيته وحرموا والديه، بل إنهم لم يكلفوا أنفسهم الحديث معي بهذا الخصوص، لذلك لم أستطع تحمل هذه الإهانة".

 

كيف تطور أسلوب النضال لدى لمعدله

عندما عجزت لمعدله عن كشف مصير والدها، غادرت إلى إسبانيا سنة 2001، واستطاعت بعد جهد، الحصول على الجنسية الإسبانية سنة 2012، وتقول إن أول ما خطر في بالها بعد حصولها على الجنسية، هو الدفاع عن حق والدها، وغيره من ضحايا سجناء البوليساريو، الذين قضوا معه في السجن، و هي الآن في جنيف للدفاع عن 57 شهيدا استشهدوا في نفس السجن، و57 آخرين قضوا بعد فترة متأثرين بسنوات السجن، وضحايا آخرين لا يزالون على قيد الحياة، من ضمنهم موريتانيون من بينهم محمد فال ولد القاظي، وأحمد ولد أحمد عيشه وكثير غيرهم لتصبح ناطقة باسم 164 ضحية، وتضيف في هذا الإتجاه ؛ "لقد وصلت جنيف منذ 9 أيام واتصلت بعدة جمعيات لحقوق الإنسان بهذا الخصوص وأستعد لإلقاء كلمتي أمام هيئة حقوق الإنسان ولن يهدأ لي بال حتى تتم معاقبة المجرمين، وكل من انتهك حقوق الإنسان في تلك الحفر، في غياب تام لمنظمات حقوق الإنسان، والمنتظم الدولي، حتى تتم محاسبتهم واحداً واحداً، وأقف على قبر أبي" معتبرة أن جبهة البوليساريو كانت تفعل ما تشاء دون رقيب أو حسيب.